محمد بن وليد الطرطوشي
290
سراج الملوك
متوقعا لم يلف متوجعا ، ومن لم يشعر نفسه ما ذكرنا من أحوال الدنيا ، وتقضي المسار ، ثم الثواء « 1 » في اللحود ، بين أطباق الترب والجنادل « 2 » ، قد فارقه الأحباء ، وهجره القرباء والبعداء ، ألفته الحوادث وابقا « 3 » ، فسلبته الصبر ، وضاعفت عليه الأسى . وقال ابن الرومي « 4 » : إنّ البلاء يطاق غير مضاعف * فإذا تضاعف فهو غير مطاق وأنشدوا : تعوّدت مسّ الضّرّ حتّى ألفته * وأسلمني حسن العزاء إلى الصّبر ووسّع صدري للأذى كثرة الأذى * وإن كنت أحيانا يضيق به صدري وحسّن لي يأسي من النّاس كلّهم * لعلمي بصنع اللّه من حيث لا أدري ولبعض الأعراب : تعزّ فانّ الصّبر بالحرّ أجمل * وليس على ريب الزّمان معوّل « 5 » فلو كان يغني أن يرى المرء جازعا * لنائبة أو كان يغني التّبذّل « 6 » لكان التّعزّي عند كلّ مصيبة * ونازلة بالحرّ أولى وأجمل فكيف وكلّ ليس يعدو حمامه * وما لامرئ عمّا قضى اللّه مرحل « 7 » فإن تكن الأيّام فينا تبدّلت * ببؤس ونعمى والحوادث تفعل فما ليّنت منّا قناة صليبة * ولا ذلّلتنا للّذي ليس يجمل « 8 » ولكن وجدناها نفوسا كريمة * تحمّل مالا تستطيع فتحمل وقينا بفضل اللّه منّا نفوسنا * فصحّت لنا الأعراض والناس هزّل * * *
--> ( 1 ) الثواء في اللحود : الإقامة في القبور . ( 2 ) الجنادل " الصخور العظيمة . " ( 3 ) وابقا : هالكا ومنها الموبقات : المهلكات . ( 4 ) ابن الرومي : علي بن العباس بن جريج الشاعر الكبير الرومي الأصل ولد ونشأ ببغداد ومات مسموما من وزير المعتضد الذي كان ابن الرومي قد هجاه فهو لم يمدح أحدا من رئيس أو مرءوس إلا عاد وهجاه مات سنة 283 ه . ( الأعلام 4 / 297 ) . ( 5 ) ريب الزمان : صنوف الدهر . ( 6 ) التبذّل : ترك الاحتشام والتصوّن . ( 7 ) حمامه : أي ما قدّر وقضى عليه فيه . ( 8 ) القناة عند العرب : القامة يقال صلب القناة : أي صلب القامة . ( لسان العرب ، باب : قوم ) .